ابن الجوزي

142

صيد الخاطر

هذا أنه ينبغي أن يقاوم المرض بضده ، فمن كان قلبه قاسيا شديد القسوة وليس عنده من المراقبة ما يكفّه عن الخطأ قاوم ذلك بذكر الموت ومحاضرة المحتضرين . فأما من قلبه شديد الرقة فيكفيه ما به بل ينبغي له أن يتشاغل بما ينسيه ذلك لينتفع بعيشه ، وليفهم ما يفتي به ، وقد كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يمزح ويسابق عائشة ، ويتلطف بنفسه فمن سار سيرته عليه الصلاة والسلام فهم من مضمونها ما قلته من التلطف بالنفس . 97 - إفاقة المحتضر أظرف الأشياء إفاقة المحتضر عند موته ، فإنه ينتبه انتباها لا يوصف ويقلق قلقا لا يحد ، ويتلهف على زمانه الماضي ، ويود لو ترك والتدارك ، ويصدق توبته على مقدار يقينه بالموت ، ويكاد يقتل نفسه قبل موتها بالأسف « 1 » ، ولو وجدت ذرة من تلك الأحوال في أوان العافية حصل كل مقصود من العمل بالتقوى ، فالعاقل من مثّل تلك الساعة وعمل بمقتضى ذلك . فإن لم يتهيأ تصوير ذلك على حقيقته تخايله على قدر يقظته ، فإنه يكف كفّ الهوى ويبعث على الجد . فأما من كانت تلك الساعة نصب عينيه كان كالأسير لها ، كما روي عن حبيب العجمي أنه كان إذا أصبح يقول لامرأته : إذا مت اليوم ففلان يغسلني ، وفلان يحملني . وقال معروف لرجل : صلّ بنا الظهر . فقال : إن صليت بكم الظهر لم أصلّ بكم العصر . فقال : وكأنك تؤمل أن تعيش إلى العصر . نعوذ باللّه من طول الأمل . وذكر رجل رجلا بين يديه بغيبة فجعل معروف يقول له : اذكر القطن إذا وضعوه على عينيك . 98 - المتيقظ يأخذ إشارات من كل ما يسمع ربما أخذ المتيقظ بيت شعر فأخذ منه إشارة فانتفع بها ، قال الجنيد : ناولني سريّ « 2 » رقعة فيها مكتوب :

--> ( 1 ) أحسست بذلك كله مرتين ، مرة لما كدت أغرق في بحر بيروت ، ومرة لما أشرف بي المرض على الموت سنة 1957 ووصفته في كتابي « من حديث النفس » ولو دام لي ذلك الشعور لكنت من الصالحين . ولكني انغمست في خضم الحياة فلم أعد أقدر على استنشاق ذلك النسيم . اسألوا اللّه لي ولكم المغفرة . ( 2 ) سري السقطي .